القرطبي

41

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وفى السماء رزقكم وما توعدون ) قال سعيد بن جبير والضحاك : الرزق هنا ما من السماء من مطر وثلج ينبت به الزرع ويحيا به الخلق . قال سعيد بن جبير : كل عين قائمة فإنها من الثلج . وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه : فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم . وقال أهل المعاني : ( وفي السماء رزقكم ) معناه وفي المطر رزقكم ، سمي المطر سماء لأنه من السماء ينزل . قال الشاعر ( 1 ) : إذا سقط السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا وقال ابن كيسان : يعني وعلى رب السماء رزقكم ، نظيره : ( وما من دابة في الأرض ) إلا على الله رزقها ( 2 ) ) . وقال سفيان الثوري : ( وفي السماء رزقكم ) أي عند الله في السماء رزقكم . وقيل : المعنى وفي السماء تقدير رزقكم ، وما فيه لكم مكتوب في أم الكتاب . وعن سفيان قال : قرأ واصل الأحدب ( وفي السماء رزقكم ) فقال : ألا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض ! فدخل خربة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا فإذا هو في الثالثة بدوخلة ( 3 ) رطب ، وكان له أخ أحسن نية منه فدخل معه فصارتا دوخلتين ، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق الله بالموت بينهما . وقرأ ابن محيصن ومجاهد ( وفي السماء رازقكم ) بالألف وكذلك في أخرها ( إن الله هو الرازق . ( وما توعدون ) قال مجاهد : يعني من خير وشر . وقال غيره : من خير خاصة . وقيل : الشر خاصة . وقيل : الجنة ، عن سفيان بن عيينة . الضحاك : ( وما توعدون ) من الجنة والنار . وقال ابن سيرين : ( وما توعدون ) من أمر الساعة . وقاله الربيع . قوله تعالى : ( فورب السماء والأرض انه لحق ) أكد ما أخبرهم به من البعث وما خلق في السماء من الرزق ، وأقسم عليه بأنه لحق ثم أكده بقوله : ( مثل ما أنكم تنطقون ) وخص النطق من بين سائر الحواس ، لان ما سواه من الحواس يدخله التشبيه ، كالذي

--> ( 1 ) هو معود الحكماء معاوية بن مالك ، وسمى معود الحكماء لقوله في هذه القصيدة : أعود مثلها الحكماء بعدي * إذا ما الحق في الحدثان نابا ( 2 ) راجع ج 9 ص 6 ( 3 ) الدوخلة ( بتشديد اللام وتخفيفها ) : سفيفة من خوص يوضع فيها التمر والرطب .